منوعات وفنون

محمد الأمين.. صوت وطن ووجدان لا يُنسى

بورتريه بقلم: عبد المنعم هلال

في لحظة من لحظات الصفاء الجمعي، حين كانت الطائرات تحلّق على إيقاع “قلنا ما ممكن تسافر” وشارع المطار يهتز طرباً مع “جيناكم يا حبيبنا بعد غربة وشوق”، كان محمد الأمين يعتلي خشبة مسرح نادي الضباط، لا كفنان، بل كحالة وطنية خالصة، كوجدان يعزف على عودٍ يعرف كيف يلامس القلب مباشرة.

ولد في قلب الجزيرة، بمدينة ود مدني، وتشرب الفن من بيئة نابضة بالإبداع، ليصير لاحقاً من أعمدة الأغنية السودانية، لا يشبه أحداً، ولا يشبهه أحد. لم يكن مجرد مطرب، بل موسيقي شامل، مؤلف، وموزع، وصاحب حس مرهف جعل منه مدرسة فنية قائمة بذاتها.

عرف ود الأمين بدقته وصرامته الفنية، لم يركض خلف الأضواء بل كانت تلاحقه. لم يكن فنان مناسبات بل فنان مواقف، يغني للحب النبيل، والوطن الجريح، والإنسان في لحظات ضعفه وقوته. أغنياته – من “زاد الشجون” و”الحب والظروف” إلى “الجريدة” و”الاكتوبريات” – كانت أكثر من ألحان.. كانت سيرة وجدانية، وسفر روحي في تفاصيل الذات والبلد.

“زاد الشجون”، تلك الأغنية التي كتبها الراحل فضل الله محمد، ليست مجرد قصيدة حب، بل ملحمة شعورية كاملة. فيها نرى كيف يتحول الشوق إلى زاد، والحزن إلى طقس يومي، والحب إلى قدر لا مهرب منه. تكرار “وين حنهرب منو وين؟” ليس سؤالاً بل انكسار، استسلام، وصدق لا يداجي.

كان محمد الأمين يغني، فيصمت الناس. كان صوته موسيقى للأذن، ووطنًا للقلب، وملاذًا في أزمنة الغربة والانكسار. واليوم، في زمن الحرب والتشظي، نفتقده كما نفتقد الوطن، نبحث في أغنياته عن ظلّ سلام، عن وعد بلقاء، عن وطن لا يزال ممكناً.

رحل محمد الأمين، لكنه ترك إرثاً من الطرب النقي، والصوت الصادق، والرسالة النبيلة. رحل ونحن أشد ما نحتاج إليه، رحل وهو الوطن حين كان يشدو، وهو العزاء حين تسكت الكلمات.

لك الرحمة والمغفرة يا ود اللمين… فقد كنت وجداننا حين ضاق بنا الوطن

زر الذهاب إلى الأعلى