منوعات وفنون

علي محمود التنقاري.. شاعر الحقيبة الذي صاغ الحداثة من دكان الأواني

منوعات ـ شبكة_الخبر – يُعدّ علي محمود التنقاري محطة مهمّة في مسار الشعر الغنائي السوداني، وهو من “أهل الفترة” الذين ربطوا أغنية الحقيبة بالأغنية الحديثة. وهي تسميات تُطرح للمدارسة فقط، إذ إنّ كلا الفترتين تنتمي إلى فترات الحداثة بمعيارها الزمني.

وُلد شاعرنا الكبير في أم درمان، حي ود در، عام 1918م، وتميّز بنوع من الحداثة الاجتماعية والفنية؛ فهو تاجر تجزئة تقليدي لم يتجاوز تعليمه الخلوة، لكنه كان طليعياً في فكره، وقد شكّل ثنائية بارزة مع عائشة الفلاتية، وهو مجلبب معمّم، ينظر إليه كثيرون باعتباره من “الحرس القديم”.. فتأمّل!

وقد دفع بالفلاتية إلى مراقي لحنية غنائية عذبة وأسهم في إعلاء نجوميتها، وقدم لها أغنيات غاية في الروعة، منها: الحبايب (عني مالن صدوا واتواروا)، وأنا بحبك يا مهذب، والتجني، وألحان الربيع معرض الزهور.. غني يا طيور غني، ثم أغنية من دار الإذاعة، وهي فريدة في بابها، تنويهاً بدور الإذاعة وسيرورتها.

التنقاري، كما أشرنا، من العصاميين الذين لم يمروا على التعليم النظامي، لكنهم فتحوا المغاليق، وشقّوا طريقاً عجيباً في “تفصيح الدارجية”، حتى صار من العسير أن تفرّق بينه وبين الشعراء “المثقفاتية” مثل بازرعة، وحسين عثمان منصور، ومبارك المغربي وغيرهم.

تأمّل هذه اللغة التي كتب بها مبكراً لعثمان حسين أغنية كيف لا أعشق جمالك:

“بسمتك توحي الأغاني.. أسمي آيات المعاني

في هواك لاقيت هواني.. وبيهو راضي

مُعترف قلبي ولساني

تندي زي زهر الخميلة.. عالية أخلاقك نبيلة

ويخجل البدرين هلالك

ثم أنتَ رافل في نعيمك.. بس أنال منك جحيمك؟

قول لي كيف أظفر بليمك؟

ناري تُطفى.. روحي ترقى.. في سما العز زي كمالك”

هذه من الأغنيات التي صعد بها نجم عثمان حسين، وقد زامنت أغنية كيف لا أعشق جمالك أغنية حارم وصلي مالك؟ لصديقه عتيق، وكانا صديقين يُعجب كل منهما بالآخر، وكلاهما من نوابغ شعراء الأغنية السودانية.

ولا ننسى أغنية تحدي التي غنّاها رمضان حسن وأشعلت وجدان الناس:

“أنا سلمتو قلبي وقايلو أمين عليهو

تحداني وجفاني ونسى إخلاصي ليهو”

وكذلك أغنية محجوب عثمان ذائعة الصيت كتير يا روحي مشتاق ليك، أما أغنية مالو قلبي الأسروهو فهي للتنقاري، وقد سبقت غيرها بأسلوب أشبه بالموشحات، وغنّاها كل من كرومة، وعلي أبو الجود، وخلف الله حمد.

“سهران دمعي ساكب، أنا بهوى الكواكب

عنّي بعديد سماها، وطرفي إذا رآها

قلبي يزيد عناه، وروحي يتم مناها

قسماً بالبَراها، هي روح المسالمة، وهي تاج المواكب

لو نظرت عيونك في نور وجنتيها

من غير شك تآمن كل الحُسن ليها

وتغريك بالوسامة، وتشفيك بابتسامة

وتسكر من كلاما، وأدبا واحتشاما

وأحذر من سهاما، ومن قوس الحواجب”

كان دكانه قريباً من “زنك اللحمة”، وكان، إلى جانب بيع الأواني المنزلية، منتدى للمسامرة واختلاس النظر! فما ظنّك بزبائن دكان يبيع “العدة”؟ ومن أين يأتي التزوّد بشحنات الإبداع؟!

كتب أيضاً أغنيات وطنية ودينية، منها اجري يا نيل الحياة، التي غنّاها عبد العزيز داؤود، وفيها: “إنتَ ينبوع من جنان، يتهادى في رقة وحنان

إنتَ في تُربك جُمان، إنتَ لي شعبك أمان

إنتَ من قِدم الزمان، لينا شريان الحياة”

هذه الأغنية تضع التنقاري في منافسة جريئة مع أمير الشعراء أحمد شوقي في النيل نجاشي حليوة أسمر، التي غنّاها عبد الوهاب، وكذلك النهر الخالد لمحمود حسن إسماعيل، ولن يكون التنقاري إلا في المقدمة.

عاش بين حي العرب وقرية المسلمية – موطن والدته – وسوق أم درمان، وخلّد حي الإبداع بأغنيته الشهيرة تلقى الدنيا باسمة والأيام طرب.. هنا في حي العرب.

وكان من أصحاب الباع الطويل في التلحين، وتظهر كلماته مصحوبة بألحانها، ومن اللافت في أسلوبه أنه يبدأ أغنياته بالتساؤلات: كيف لا أعشق جمالك؟، مالو قلبي الأسروهو؟، كتير يا روحي مشتاق ليك؟، تغيب عن بالي إيه بان ليك؟، أنا بحبك يا مهذب؟، إمتى ترحم قلبي المعذب؟…

وإيه دا يعني إيه التجني؟

زر الذهاب إلى الأعلى