آراء ومقالات

مصعب الريّح رشاش يكتب : حوار البداوة و التمدن

مصعب الريح رشاش

Rushash72@gmail.com

قبل أيام انتشر على منصات الإعلام الإجتماعي فيديو يصور ثمار المانجو و هي تتساقط من الأشجار في سوق مدينة قيسان . و تطور الأمر إلى أن قامت بعض القنوات الفضائية بنقل الفيديو . وجد الفيديو تفاعل كبير جداً من السودانيين . و عده الناس دليلاً على وفرة الثمرات و تفوق السودان من ناحية الموارد الزراعية و رغد العيش في بلادنا .

بحسب ما أرى نحن معشر السودانيين نتمتع بمقدرة فريدة في تخيل واقع افتراضي وردي بعيد تماماً عن الواقع الحقيقي الذي نعيشه و المستوى الحضاري الذي ارتقت اليه البشرية التي تقاسمنا العيش على ظهر هذا الكوكب الأزرق . و هذا باعتقادي يعود إلى بساطة الأدوات التي نستخدمها في قراءة و تحليل واقعنا و بدائية الوسائل التي نقيس بها أشياءنا .

لم نسأل انفسنا ابتداء لماذا يدع الناس ثمار المانجو تسقط على الأرض دون اهتمام بجمعها و تسويقها من الأساس ؟ و هل هناك بنية تحتية جيدة من مصانع تعليب و تجفيف و مواعين تخزين و تبريد أو مجرد طريق أسفلت يربط مدينة قيسان و غيرها من مناطق السودان المنتجة للمانجو بالاسواق و موانئ التصدير ؟ و هل طورنا أصنافاً من المانجو خاصة بنا أو هل لدينا أبحاث علمية متطورة في مجال زراعة المانجو و مكافحة أمراضها و زيادة انتاجيتها ؟ و السؤال الأهم من كل ذلك كم يبلغ الانتاج السنوي للسودان من فاكهة المانجو ؟ و ماهي القيمة الاقتصادية لذلك الانتاج و كم تبلغ مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي ؟ و كم عدد فرص العمل التي توفرها زراعة الفاكهة عموماً لمواطني البلاد ؟ .

سيكون الأمر محبطاً كثيراً إذا علمنا أن انتاج السودان من المانجو بلغ 717 ألف طن متري في العام 2022 في حين أن انتاج مصر من المانجو في ذات العام بلغ مليون و ثلاثمائة الف طن . اي ان إنتاج مصر بلغ ضعف إنتاجنا من ذات الفاكهة رغم أن مناخ مصر غير موات لإنتاج هذه الفاكهة الاستوائية علاوة على أنها دولة تفتقر إلى الأراضي الصالحة للزراعة من الأساس . و أن الهند ( أكبر منتج للمانجو في العالم ) تنتج 25 مليون طن متري من المانجو سنوياً . و كل هذا التفوق لم ترقص له الهند طربا لأن لديها ما يشغلها من التحديات الكبرى في سباق التكنولوجيا و التسلح النووي و السباق إلى الفضاء ..

في الواقع هناك شيئ غامض يشدنا إلى التمسك بشخصيتنا السودانية البدوية البسيطة التي تكتفي بتصور بدائي و بسيط أيضا للحياة . و قد سيطرت تلك النزعة البسيطة على فضائنا الأدبي و الفني . و لذلك دائما نميل إلى مشاهدة و متابعة الأعمال الدرامية البدوية و الريفية . و من ذلك أن ( مسلسل أقمار الضواحي ) ظل يمثل أكثر الأعمال الدرامية رسوخاً في الذاكرة الشعبية . و شخصيات و أعمال ( الدعيتر ) و ( الحاج متذكر ) و ( فضيل ) تعد أكثر الأعمال الدرامية رواجاً و نجاحاً في فضائنا الثقافي و الادبي . النكات و الأعمال التي تقدمها الفرق الكوميدية في الغالب تتناول شخصياتنا البدوية الساذجة . نسمعها و ندمن الاستماع إليها لأنها تمثلنا بشدة فنطرب و نضحك من الأعماق .

فنانون و مثقفون من أمثال جمال حسن سعيد الشاعر المرهف صاحب القصيدة الرائعة ( أظنك عرفتي ) لم يجد بداً , وسط سطوة النزعة البدوية , من تقمص دور ( أب كريق ) الذي يقتحم منتدى المثقفين بالعراقي و السكين و السوط ليسخر من شعراء المدينة و يفرض عليهم الدوبيت . و نحن طبعا نصفق لذلك و نفرح لانتصار البداوة الخشنة على المدنية المائعة . الممثلون البارعون من أبناء الحضر مثل جمال حسن سعيد , محمد المهدي الفادني و جمال عبد الرحمن انخرطوا في أداء أدوار الشخصيات الريفية الساذجة عندما لم يجدوا الأعمال الأدبية الجادة التي تحكي قصة المدينة و تعكس همومها و مشكلاتها و السيناريوهات التي تطرح أسئلة التطور و الحداثة . و في الواقع إن أولئك المبدعين لم يجدوا فينا مواصفات الجمهور المدني الذي يجذبه الحوار المتمدن من الاساس . الجمهور القلق الذي يبحث عن إجابات عميقة لأسئلة تليق بإنسان عصر التكنولجيا .

لذلك يبدو فضاءنا الثقافي خاليا حتى من أسئلة المدينة التقليدية , صحة الغذاء و جودته , الصحة العامة , معدلات البطالة وسط الشباب و الخريجين , فرص العمل التي يوفرها الاقتصاد شهريا أو سنوياُ , ضعف البنيات التحتية و أحيانا غيابها مثل قطارات الأنفاق و القطارات المعلقة و النقل النهري , شبكات الصرف الصحي , متوسط الأعمار , مدى جودة و شمولية شبكات الضمن الإجتماعي , مستوى معدلات الفقر و الجريمة و عدد الأطفال خارج قاعات الدراسة . المشردون و أزمات الإسكان و النقل و الماء النظيف , الكهرباء , الغاز و التلوث البيئي . هذه بعض مشكلات المجتمعات الحضرية التقليدية قلما تثير قلقنا و قلما نتناولها في الأعمال الفنية و الندوات و المحاضرات العامة . و ذلك لأن تكويننا العقلي و النفسي البسيط قلما يتسوعب هذه التحديات الجادة .

إن الحياة الريفية البسيطة فيها ما فيها من راحة النفس و هدوء البال و هي جزء من النظام الإجتماعي في أي دولة أو مجتمع .بيد أن الحياة الريفية غير مقصودة لذاتها فيما ذكرنا سابقاً . و إنما قصدنا نقد العقلية البدائية التي تجعل احكامنا و تصوراتنا بشأن الامور عاطفية و غير موضوعية لا تستند إلى المعايير و المقاييس العلمية .. فالحضارة الإنسانية البوم تقودها العقلية المتمدنة المفعمة بالأسئلة العميقة و القلق و البحث عن حلول المشكلات بل و توقع مشكلات المستقبل و استباقها بإبتكار الحلول لها حتى قبل أن تحدث . و أهم شروط التقدم هي أن يتكون لدى المجتمع وعي مرتفع بمشكلاته و أن يتطور ذلك الوعي إلى شكوى عادلة من الواقع الذي تعيشه المجتمعات مما يقودها إلى العمل العلمي و و الجهد الفكري الجاد لحل تلك المشكلات . و بذلك يكون المجتمع قد قطع شوطا في مضمار التقدم .. و التقدم و التطور عمليتان مستمرتان و ليس لديهما محطة نهائية أو كاس ينالها الفائز آخر الأمر ، فكل تقدم يولد حزم جديدة من التحديات و المشكلات . و لذلك الآن كلما أحرزت الدول تقدما كلما ازداد قلقها و زادت تحدياتها ..

زر الذهاب إلى الأعلى