آراء ومقالات

د. أمجد إبراهيم سلمان يكتب : في نيوكاسل « سيبكا »تستوي على عٌودها

صورة جماعية للمؤتمرين

استضافت مدينة نيوكاسل البريطانية يوم السبت 10 مايو 2025 فعاليات المؤتمر السنوي الرابع لمنظمة الرعاية الأولية البريطانية السودانية (سيبكا) بمشاركة نخبة من الأطباء والأكاديميين والمختصين من بريطانيا والسودان وذلك سعيا لتطوير هذه المؤسسة الفتية ، و تمتين الأداء العلمي والتنظيمي لأفرادها.

حيث احتضن فندق محطة نيوكاسل الملكي العريق الفعالية ، و الفندق الذي تم تأسيسه في العهد الفيكتوري ضمن عدة فنادق تدار من قبل مؤسسة السكك الحديدية صممت لتكون بجانب محطات القطارات ، و تم تدشينه من قبل الملكة فيكتوريا في أغسطس عام 1850 ، و تعبر قاعته الرئيسية و التي عقد فيها المؤتمر بسقفها المرتفع و نقوشه المميزة عن عراقة تلك الحقبة الغنية في تاريخ الإمبراطورية البريطانية .

افتتحت الجلسة بالنشيد الوطني السوداني و كانت لحظة مؤثرة ردد فيها الجميع تلك الكلمات المحببة للنفوس ، بعد النشيد تسلّم شارة البداية د. أحمد كرار استشاري طب الأسرة و هو من الجيل المؤسس لمنظمة الرعاية الصحية الأولية السودانية البريطانية ( و تبسيطاً يقوم كاتب هذه السطور باستخدام منظمة أطباء الأسرة السودانيين في بريطانيا ” سيبكا”) ، و قدم الدكتور أحمد فذلكة تاريخية مختصرة عن تاريخ المنظمة و السبب الذي حدى بالمؤسسين الأوائل لتكوينها ، و بعد ذلك مباشرة دلف إلى تقديم المتحدثة الأولى في المؤتمر.

المتحدثة الأولى كانت البروفيسورة مارغريت أيكبوه نائبة رئيس الكلية الملكية البريطانية لأطباء الأسرة ، و هي أول امرأة ملونة تتسنم هذا الموقع المرموق في تاريخ بريطانيا ، وعبر ترحيبها الكبير بالدعوة لحضور اجتماع منظمة (سيبكا) مؤشراً إلى تزايد المعرفة بها في الأوساط الصحية في المملكة المتحدة .

ابتدرت د. مارغريت محاضرتها بعنوان مؤثر “كيف يمكن لأطباء الأسرة أن يقودوا العمل بشجاعة و رأفة و بشمول” ، شددت فيها على أن الحنين للوطن هو العامل المشترك لكل الأطباء المهاجرين في بريطانيا و بقية دول العالم ، و أبانت عبر تجربتها الشخصية و هي ابنة لأب مهاجر من نيجيريا و أم مهاجرة من روديسيا (زيمبابوي حالياً) .

و وضحت التحديات الكبيرة التي واجهتها أثناء مسيرتها العلمية و المهنية ، و كيف أن تأثير أهلها كان دائما نصب عينها في كل ما تقوم به من أعمال و ما تقرر الدخول فيه من تحديّات ، لأن والديها كانا دائماً في نضال طويل ضد التمييز العنصري في بلدهما الأم و ما قابلوه من تعامل غير عادل عند قدومهما كمهاجرين جدد إلى بريطانيا ، فقد كان بيت الأسرة عبارة عن مؤسسة أمم متحدة مصغرة يفد إليه كل الناشطين في مجال حقوق الإنسان و الأقليات في ذلك الزمن ، لذلك تأثرت مارغريت الطفلة بهذه الأجواء ، و عبرت عن سعادتها الكبيرة بالحضور المتميز لما يقارب الـ 100 طبيب أسرة من السودان في هذه القاعة ما يبشر بخير كبير عبر تعاضد الأطباء مع بعضهم الأمر الذي سيطور أدائهم المهني و التأثير المستقبلي المتوقع و المردود الكبير الذي سيعود على أهلهم و بلدهم الأم السودان ، و شددت على الشباب الجدد بضرورة التقدم للعمل في مؤسساتهم المصغرة لأنها ستؤهلهم لتولي مسئوليات كبيرة مستقبلاً ووضحت كيف أنها صبرت و ثابرت على عناء العمل العام و العمل المهني في عيادتها الخاصة في مدينة (هل) و رغم أنها مدينة لا يوجد فيها أناس ملونين كثر و بجانب ذلك فهي أم لطفلين مع التبعات المعروفة لذلك في دول الغرب ، و أوضحت كيف أن تعمُد الانفتاح على الآخرين خاصة البريطانيين الأصليين يذيب الكثير من الجليد في التواصل الإنساني و كيف أنها كانت تتفاجأ باستمرار عند حديثها مع كبار الأطباء البريطانيين البيض بأشياء كثيرة مشتركة رغم أنها في البداية كانت تعتقد أن غير ذلك.

في المحاضرة التالية:  قدمت الدكتورة عاليا جويال، وهي طبيبة طب أسرة، و نائبة رئيس كلية طب الأسرة بمنطقة ميدلاند ، وعضو منتخب على المستوى الوطني في مجلس الكلية الملكية البريطانية لطب الأسرة ، و هي من أصول باكستانية و قد استعرضت الدكتورة عاليا محاضرة غنية بالمحتوى التحفيزي حول بناء الثقة من خلال الشبكات المهنية والدعم الاجتماعي. أكدت أن العمل التطوعي يفتح أبوابًا لتعلم القيادة وتنمية المهارات الشخصية، موضحة أهمية “الاستمرار في كتابة قصتنا الخاصة بنا ، ونقل الحلم للأجيال القادمة”.

ودعت المشاركين لمساندة بعضهم البعض عبر الإرشاد والتشبيك، خاصة من خلال منصات مثل منظمتهم الغرّاء (سيبكا) على حد تعبيرها ، و أوضحت كيف أن بدايات العمل القيادي تبدأ عبر العمل في مجال صديق و داعم مثل المنظمات التي تجمع الناس من بلد واحد و بعد ذلك و بعد اكتساب العديد من المهارات القيادية و إجادة فنون مخاطبة الرأي العام يتجه المرء إلى مستويات أعلى .

وعرضت د. عاليا على الحضور صورا شخصية لها في مراحل مختلفة من عملها العام ، وأوضحت إن العمل التطوعي يقود إلى توسعة علاقات المرء ما يجعل الآخرين أكثر حرصاً على دعوته إذا ما أتت فرصة عمل قد تكون فيه عوائد مالية مجزية ، ووضحت ذلك عبر نماذج لمشاريع عديدة شاركت فيها و قام القائمون عليها بترشيحها لمجالات أخرى مختلفة .

و أوضحت أنها و بعد أن تنتهي مسئوليتها القيادية الحالية فإنها ستترك مجلس الكلية و فيه عدد أكبر من ممثلي الأقليات بعد أن كان مجلساً حصريا فقط على البيض من البريطانيين لا لشيء إلا لأن العديد من أبناء الأقليات لا يرشحون أنفسهم لتلك المسئوليات ما يجعل اختيارهم مستحيلا.

 في  المحاضرة التي تلتها : تحدث الشاب الموهوب إبراهيم خان الخبير الإستثماري و خريج جامعة أوكسفورد كلية الاقتصاد و العلوم السياسية و صاحب الخبرة الطويلة في عمل المؤسسات المالية الكبرى ، تحدث عن أهمية توحيد الجهود في بناء صناديق استثمارية قوية للمسلمين حتى يستطيعوا ولوج سوق الأسهم و الاستثمار العالميين ، و صعق الحضور بأرقام مذهلة حيث قال أن متوسط القيمة المالية للإنسان في الكرة الأرضية هي حوالي 80 ألف دولار ، و أن القيمة المالية للإنسان المسلم هي 16 ألف دولار ، ما يعني أن هناك هوة استثمارية كبيرة ينبغي على المسلمين ملؤها حتى يصبح لهم التأثير المهم في مصائرهم و في العالم ، و أوضح أن رؤوس الأموال الصغيرة لا تسطيع دخول بعض المجالات المربحة لأن الاستثمار فيها يتطلب رساميل كبيرة ، و وضح عبر نماذج دقيقة أهمية استثمار رؤوس أموال المسلمين من مهنيين و أصحاب أعمال في شركات توظيف الأعمال الإسلامية ما ينمي تلك الأموال بطريقة سليمة من ناحية الثقافة الإسلامية. و من مظاهر ذكائه الوقّاد ترجمته لقصائد للإمام الشافعي إلى اللغة الإنجليزية قام بالاستشهاد ببعض الأبيات المترجمة منها خلال المحاضرة.

محاضرة د. سمير أحمد: تحويل الضعف إلى قوة
قدم الدكتور سمير أحمد استشاري التخدير عرضًا مميزًا بعنوان “تحويل الضعف إلى قوة: الأطباء العموميون المبتعثون في مقدمة المشهد”، حيث استعرض بيانات الكلية الملكية للممارسين العامين تُظهر أن خريجي كليات الطب الدوليين يشكلون النسبة الأكبر بين الأطباء العموميين المتدربين في الكلية الملكية للممارسين العامين (أطباء الأسرة) في بريطانيا ، و أكد أن هذه الحقيقة تمثل فرصة لتعزيز التنوع في القوى الطبية العاملة ، و دعى لمزيد من الاندماج في النظام الصحي البريطاني ، كما ركز على تحديات اللغة و اللهجات المنتشرة في بريطانيا و كيف أنه كان لا يفهم المرضى عندما حضر إلى البلاد قبل 11 عاماً ، و بيّن أن الخريجين الآن في وضع أفضل بكثير لأن لهم علاقات تسهل عليهم الكثير من الأمور ، وقدم مثلاً أن فتح حساب في بنك محلي استغرق منه حوالي أسبوعين مع أنه كان يمكن أن تتم في يوم أو يومان على الأكثر.

محاضرة د. سعيد أحمد: من الممارسة إلى التمكين المؤسسي
سلط الدكتور سعيد أحمد استشاري أمراض الكلى التدخلي ، سلط الضوء على خبرته في القيادة الطبية داخل هيئة الصحة البريطانية، متناولًا أدواره المتعددة التي تشمل إدارة برامج التدريب، والقيادة الإكلينيكية، والعمل في مجال التنوع والمساواة. كما تحدث عن أهمية التدرج في تولي المناصب عبر العمل التطوعي، مشيرًا إلى أن منظمة أطباء الأسرة السودانيين (سيبكا) تمثل منصة قوية لبناء الثقة، وتطوير المهارات، والمساهمة في تحسين الخدمات الصحية محليًا وعالميًا. الجدير بالذكر أن الدكتور سعيد من الجيل الرابع من المهاجرين في بريطانيا ، و أوضح أن اندماج المهاجرين يصبح أسهل مع كل جيل جديد.

بعد ذلك قدمت الدكتورة تماضر محمد الحسن استشارية الطب النفسي و صانعة المحتوى المعروفة في الميديا محاضرة عميقة عن الضغوط النفسية الكبيرة التي يواجهها المهاجرون ، و كيف أن التنفيس عن الضغوطات مع الآخرين يسهل على المرء كثيراً و استعرضت بإسهاب الأساليب التي ينبغي على المهاجرين اتباعها للتعامل مع واقعهم الجديد ، و تحدثت عبر نماذج من مرضاها كيف أنهم استطاعوا تجاوز الكثير من العقبات عبر التوعية و اكتشاف القوة الذاتية الكامنة داخلهم ، و دعت الجميع إلى نشر التجارب الشخصية الملهمة لأنها تدفع الآخرين لإتباع نفس النموذج و كيف أن النجاحات الكبيرة في الحياة ما هي إلا محصلة نجاحات صغيرة متراكمة و أن الخبرة المكتسبة و التفاعل بصورة إيجابية مع المجتمع يقوي المرء و يكسبه مهارات متعددة للتعامل مع تحديات الحياة المختلفة ، و ذكرت أن المحاضرات التفاعلية خاصة مع أبناء البلد الواحد قد تذيب ثلوج التواصل عبر اللغات الأخرى التي قد تستعصي على البعض في فترات القنوط و اليأس.

الجلسة الأخيرة كانت بعنوان دعونا نفكر في السودان ، و قام بتقديمها دكتور محمد خليل مسئول مكتب علاقات السودان في اللجنة التنفيذية السابقة و الذي سيواصل في تسنم نفس الموقع في اللجنة التنفيذية الجديدة 2025 – 2027 و تبادل معه في التقديم د. أحمد كرار العضو المخضرم من رعيل المؤسسين الأوائل ، و تحدث كلاهما عن المجهود الكبير الذي بُذل في بناء شبكات الاتصال مع الأطباء العاملين في الرعاية الصحية الأولية في السودان ، و بعد مجهودات كبيرة تم بناء شبكة تواصل بها حوالي 172 طبيباً داخل السودان يقدمون الخدمات الصحية تطوعًا منذ بداية الحرب لأن الكثيرين منهم لم يستلموا رواتبهم أبداً بل و تم ذكر الدكتور عثمان حامد مقرر طب الأسرة بمجلس التخصصات الطبية والذي يحمل جوازاً أجنبياً لكنه بعد أن أخرج أسرته إلى مكان آمن أثر البقاء في السودان بذلاً و عطاءً و زهداً ، و تلك نماذج إنسانية تثلج الصدور و تمنح المرء شعوراً بالفخر و الاعتزاز بانتمائه لهذه المهنة الإنسانية ، و وضح د. محمد خليل و د. أحمد كرار التصور الذي تبنته اللجنة التنفيذية من أهمية بناء مراكز صحية في الأقاليم و المدن الكبرى تتعهدها المنظمات الطبية السودانية بالخارج بالتطوير و التحديث حتى تكون مراكز صحية نموذجية تخدم المواطنين و تكون مواعين تدريبية للكوادر الصحية المستقبلية في الرعاية الصحية الأولية ، و كما تبنت اللجنة التنفيذية للمنظمة فكرة تنظيم مؤتمر جامع لأطباء الأسرة السودانيين حول العالم للتشاور حول دعم و تطوير نظام الرعاية الصحية الأولية في السودان من المؤمل عقده في نهاية ديسمبر 2025.

خاتمة : نقل كاتب هذه السطور رسالة تهنئة من رابطة الأطباء السودانيين في قطر للمؤتمر التي عبرت عن تقريض للقائمين عليه بنجاح التنظيم و بالحضور الكبير الذي بلغ حوالي 100 طبيب أسرة بريطاني سوداني ، و بذلك تكون هذه أكبر منظمة مسجلة رسمياً لأطباء سودانيين من تخصص واحد في بريطانيا و قد تكون أكبر تجمع منظم لأطباء الأسرة السودانيين في العالم خارج السودان ، و من نافلة القول أن النجاح لم يكن مرتبطاً فقط بعدد الأطباء الذين حضروا ، بل بالتطور الملحوظ الذي شهده التنظيم للمؤتمر من حيث الإعلان المبكر ، و تطوير الموقع الإلكتروني و الذي بذل القائمون عليه جهدا مضاعفاً بعد أن تم تهكيره قبل بضعة أشهر من المؤتمر ما فرض على المنظمة إعادة بناءه من جديد و بصورة أكثر كفاءة و أمناً ، بحيث تتحول كل الاشتراكات إلى المسئول المالي عبر الموقع و طلبات العضوية تذهب بدورها بصورة أوتوماتيكية لسكرتير العضوية ، بيد أن أكثر ما لفت نظري هو السلاسة التي تم بها قبول خطاب الدورة بعد أن قدم كل مسئول مكتب تقريرا مبسطا عن أداء مكتبه في العامين الماضيين و تمت تسمية من سيخلفه عبر الانتخابات التي كانت قد جرت إلكترونيا في وقت سابق ، و تم تكوين الرابطة الجديدة برئاسة الدكتور محمد عثمان الريّح الرجل الذي أقر زملائه بقدراته القيادية الكبيرة و تفانيه الكبير في خدمة المنظمة حتى قبل انتخابه لرئاستها. في تقديري تقدم منظمة (سيبكا) نموذجاً رائعاً في العمل الجماعي المهني الدؤوب و الحرص الكبير على تغيير الطاقم القيادي دورياً ، و ما تزايد أعداد الأطباء المنضودين تحت لوائها إلا دليل على ديناميتها و فعاليتها الكبيرة و قبولها عند العضوية ، و حسناً فعلت باختيار قيادات جديدة في كل دورة مطعمة ببعض خبرات أعضاء من اللجان السابقة بحيث يتم التواصل المهني و تتزايد الخبرة التراكمية بالتوثيق و المثابرة و التجويد ، عفارم عفارم.

بقلم د. أمجد إبراهيم سلمان
الأربعاء 14 مايو 2025

زر الذهاب إلى الأعلى